ابن الذهبي
915
كتاب الماء
وحدَّثنا شيخنا العلّامة ابن سينا أنّه فرغ من قراءة العُلوم حين بلغ ثماني عشرة سنةً من عمره ، وقال : وكنتُ اذْ ذاك للعلم أحْفَظ ، ولكنّه اليوم معي أنْضَج ، والّا العلم واحد لمْ يتجدَّد لي بعده شَىء 58 . فالعَقْل ينمو بالتَّجْرِبَة والمِران ، بعد اكتماله عند البلوغ . ولهذا قيل : العَقْل عَقْلان : غَريزىّ وكَسْبِىّ . فالعقل الغَريزىّ ما به التَّكليف ، والكَسْبِىّ ما به حُسْنُ التَّصرُّف . وهو اسم مُشترَك لِمعان عدّة . أمّا عند المتكلِّمين فقد أُطْلِق على ثلاثةٍ : - أحدها صِحّة الفِطْرَة للانسان . وحَدُّه بأنّه قوّة يَجُودُ بها التَّميز بين الأمور الحسَنة والقبيحة . - ثانيها ما يكسبه الانسان بالتَّجارب من أحكام الله ، وحدودُه بأنّه معانٍ مجتمعة في الذّهن تُستنبَط بها الأغراضُ والمصالح . - ثالثها : بأنّه هيئة مُجَوِّدَة للانسان في حركاته وسكناته ، وكلامه واختياره . وأمّا عند الحكماء ، فمشترَك أيضا ، بين ثلاثة معانٍ : - الأوّل : العَقْل النّظرىّ : قوّة للنَّفْس النّاطقة تَقْبَل ماهِيّات الأمور الكلّيّة مِنْ جِهَة ما هي كلّيّة ، وله أربع مراتب : أحدها العَقْل الهَيُوْلانىّ : وهو قوّة للنَّفْس المستعدّة لقبول ماهيّات الأشياء ، مُجَرَّدة عن الموادّ . ثانيها : العَقْل بالملَكة ، وهو أنْ تَحصل له المعقولات البديهيّة وينتقل من البديهيّات إلى النّظريّات . ثالثها : العَقْل المستعاد وهو أنْ يحصل المعقولات ، لكنْ لا يطالعها ، بل صارتْ مخزونة فيه . رابعها : العَقْل بالفِعْل ، وهو أنْ يُطالع المعقولات المكتسَبة . - الثاني : العَقْل العملىّ ، وهو قوّة للنَّفْس وهي مبدأ القوّة الشَّوقيّة إلى ما يختار